محمد بن جرير الطبري
532
تاريخ الطبري
منزلة ذلك منكم وفضيلته في أنفسكم على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله ثم إن أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشئ من الأمور أشد اهتماما وعناية منه بهذا العهد لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين وما أراهم الله فيه من الأمور التي يغبطون ويكرمهم فيما يقضى لهم ويختار له ولهم فيه جهده ويستقضي له ولهم فيه إلهه ووليه الذي بيده الحكم وعنده الغيب وهو على كل شئ قدير ويسأله أن يعينه من ذلك على الذي هو أرشد له خاصة وللمسلمين عامة فرأى أمير المؤمنين أن يعهد لكم عهدا بعد عهد تكونون فيه على مثل الذي كان عليه من كان قبلكم في مهلة من انفساح الأمل وطمأنينة النفس وصلاح ذات البين وعلم موضع الامر الذي جعله الله لأهله عصمة ونجاة وصلاحا وحياة ولكل منافق وفاسق يحب تلف هذا الدين وفساد أهله وقما وخسارا وقدعا فولى أمير المؤمنين ذلك الحكم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده وهما ممن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك وصاغه له وأكمل فيه أحسن مناقب من كان يوليه إياه في وفاء الرأي وصحة الدين وجزالة المروءة والمعرفة بصالح الأمور ولم يألكم أمير المؤمنين ولا نفسه في ذلك اجتهادا وخيرا فبايعوا للحكم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركته ولأخيه من بعده على السمع والطاعة واحتسبوا في ذلك أحسن ما كان الله يريكم ويبليكم ويعودكم ويعرفكم في أشباهه فيما مضى من اليسر الواسع والخير العام والفضل العظيم الذي أصبحتم في رجائه وخفضه وأمنه ونعمته وسلامته وعصمته فهو الامر الذي استبطأتموه واستسرعتم إليه وحمدتم الله على إمضائه إياه وقضائه لكم وأحدثتم فيه شكرا ورأيتموه لكم حظا تستبقونه وتجهدون أنفسكم في أداء حق الله عليكم فإنه قد سبق لكم في ذلك من نعم الله وكرامته وحسن قسمه ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه وحدبكم عليه على قدر الذي أبلاكم الله وصنع لكم منه وأمير المؤمنين مع ذلك إن حدث بواحد من ولي عهده حدث أولى بأن يجعل مكانه وبالمنزل الذي كان به من أحب أن يجعل من أمته أو ولده ويقدمه بين يدي الباقي منهما إن شاء أو أن يؤخره بعده فاعلموا ذلك وافهموه